الأحد، 11 ديسمبر 2016

منيرة




منيرة

هناك في إحدى أحياء الرياض الراقية الهادئة التي قد تعتقد لوهلة إن مررت  بجانبها أنّها مهجورة ومسكونة بالأشباح ،  في تلك الأحياء لا أحد يبالي ، لا أحد يسأل حتى إن رأوا لصاً  سيعتقدون أنّه من أهل ذلك البيت لأنّهم ببساطة لا يعلمون من الذي يقطن بجانبهم ! عجيبة تلك الأحياء تُرى هل سكّانها كبقية البشر أم أنهم أتوا من كوكب آخر و أبوا إلاّ العزلة !
إلاّ أن هناك بيت كبير يقع في طرف ذلك الحي ليس كبقية البيوت شهد أحداث وصراعات عائلية عدّة خلال هذه السنوات وقد نجح أصحابه في الحفاظ على هذه الصراعات داخل أسواره ، حتى وإن تسربت بعض من تلك الصراعات خارج أسوار البيت فسكان تلك الأحياء يؤمنون بمبدأ القردة اليابانية الثلاث لا أرى لا أسمع لا أتكلم ! مهلاً هل قلت جيران ؟! حقيقة لا أعلم ان كان يليق بهم اسم الجار !
في ذلك اليوم أشرقت الشمس أخيراً على ذلك البيت الكبير بعد أيام ضبابية ممطرة ، كان يوما صحواً بارداً  يبشر بقروب الشتاء و أجواءه الجميلة  ، هناك في الطابق الثاني كانت أشعة الشمس تتسلّل إلى تلك النافذة المفتوحة لتداعب ذلك الوجه الجميل الذي غطت خصلات الشعر نصفه تحاول ايقاظه بلطف لا تريد ازعاجها فاليوم هو يوم مهم لها بل أهم يوم في حياة كل فتاة !
بعد محاولات عدّة بين أشعة الشمس ولفحات الهواء الباردة نجح الإثنان في ايقاض سندريلا البيت التي فتحت عيناها بكسل  و أخذت تنظر الى الطير الذي يقف على نافذتها الذي بدى وكأنه يغني لها بزقزقاته  لكنه سرعان ما حلّق بعيدا عندما رآها تتمطّى و تتثاءب ، اعتقد أن كل ماحدث لم يفي بالغرض لإيقاضها ، ضحكت وهي تراه يهرب بعيدا فنادت عليه  " حسنا عد الى هنا لقد استيقضت هيّا عد " .
نظرت الى سقف الحجرة تتأمل انعكاس أشعة الشمس على الثريا المتدلية وسط غرفتها مُشكّلة ألوان جميلة كأنها ألوان قوس قزح .
 انتابها احساس غريب كأنها لم تستيقظ من النوم بل بُعثت من سبات عميق  و كأنها عادت الى الحياة من بعد حروب ضانية لا تعلم ان كانت قد ربحت تلك الحروب أم خسرتها، كأنّ السبعة والعشرين سنة الماضية لم تُحسب من حياتها ، كأنها لم تعش طوال تلك السنين ، هل كانت تلك السنين حلماً ؟!
 هل كانت رواية انتهت من قرائتها مؤخراً أم هي فلم كلاسيكي شاهدته في زمن غير هذا الزمن؟ أم أنّ تلك الحياة لم تكن بالأصل حياتها ! 
كانت فقط تؤدي فيها أدوار فُرضت عليها ولم تقم هي باختيارها ! 
 وقعت عيناها على ساعة الحائط وشهقت يا إلهي أيعقل هذا ؟ ثمانية عشرة ساعة متواصلة ؟!
أزاحت الأغطية المتراكمة عنها و تربعت على سريرها واخذت المنبه تتفحصه و تحسب عدد ساعات نومها " لم أنم في حياتي كلها خمس ساعات متواصلة مالذي حدث الان ؟! " 
ابتسمت فجأة و اعتدلت في جلستها ونظرت أمامها الى ثوب الزفاف المعلق قرب خزانة ملابسها وبخبث بريء قالت : من المؤكد أنّهم سيعتقدون أني مجنونة !
" لا توجد عروس في هذه الدنيا تختار اللّون الأحمر لفستان زفافها .. إلاّ أنا طبعاً ! " أطلقت ضحكة عالية ورمت برأسها على مخدتها مجدداً وسرحت تلعب بأطراف شعرها .. " نعم أنا مجنونة حتى خالد لم يستطع إقناعي  بتغيير  اللّون .. أعلم أنه لا يهتم بالّلون ولن يفرق معه سواء كان أبيضاً أو حتى أسوداً  .. لكن أمه هي من كانت  وراء هذا الإلحاح .. لا أعلم كيف سأتعامل معها بعد الزواج فالجميع يقولون أن مسلسل الزوجة والحماة يبدأ من ليلة الزفاف وإن كنت محظوظة سيبدأ بعد شهر العسل " .
 وقفت  فجأة على السرير وبدأت تقفز قفزات هادئة .. هناك شفرة تفاهم بينها وبين سريرها فقد رافقها طوال هذه السنين و يعلم أنه عندما تحتار فإنها تأتي لتقفز عليه ، و تختلف القفزات تبعاً لمزاجها  إما أن تكون قفزات هادئة فهذا دليل على أنها تفكر في أمر ما أو قفزات قوية و هذا يعني أنها غاضبة أو قفزات سريعة وهذا يدل على سعادتها لكن لم تكن قفزات الفرح تلك كثيرة  فزياراته للأسف كانت نادرة وسريعة !
 ارتمت مرة أخرى على سريرها واحتضنته وبدأت تهمس له .. سأشتاق لك كثيراً .. سأهجرك الليلة و سأذهب الى سرير آخر لا أعلم  ان كان سيعطيني  الدفء والحنان الذي أعطيته لي كل هذه السنين أو أنه سيكون  بارداً وجافاً مثل ….. !
 غمرت وجهها داخل المخده وتنهدت بألم ، علاقة منيرة مع الجوامد علاقة غريبة نوعاً ما فالجوامد أقرب لها من الأحياء  !
قفزت من سريرها وبدأت تتجول في حجرتها وتتلمسها بحنان وعطف وكأنها تودّع رفقاء العمر ، فكل زاوية في هذه الحجرة شهدت أحداث من حياتها وكل تفصيل له قصة لم تنتهي حتى اليوم !
 وقفت أمام المرآة تنظر الى الأوراق الصغيرة المعلقة حول إطارها وصور جدّها وهناك صورة لخالد الذى إنظم مؤخراً لعالمها و ستدخل هي عالمه الليلة .
كان هو الوحيد من بين المتقدمين لها من الخطّاب الذي  وافق على شرطها ، فقد كانت تشترط على كل من يتقدم لها أن يأخذ بيتاً قريباً من بيت جدها الذي تسكن معه ولا تستطيع الإبتعاد عنه ، كان أغلب الخطّاب يقولون في البداية نعم ثم يخرجوا ولا يعودوا فقط خالد الذي عاد وقال لها نعم أوافق على جميع  شروطك !
تُرى مالذي رآه  فيها خالد حتى يوافق على شروطها التعجيزية ففي الحقيقة هي كانت تعجزهم جميعاً لا تريد فراق جدها، فهو الأم والأب والصديق اكتفت به عن العالم أجمع . 
  كانت في العاشرة من العمر عندما انتقلت لتستقر معه بعد أن فشلت في الإستقرار في بيت أمها وأبيها دخلت عليه ذات يوم حجرته وقالت له وهي غاضبة أريدك أن تنقل اسمي لإسمك لا أريد أن أحمل اسم أبي أريد أن أصبح إبنتك أنت فقط !
ضحك جدها كثيرا حتى تعالت قهقهته في البيت وقال لها وهو يسعل من كثرة الضحك : منيرة يا غاليتي أنا لكِ كل ما تريدين لكن مهما حدث سيبقى هو  أباك لا أنا ولا أي مخلوق في هذا الكون يستطيع أن يغير من هذه الحقيقة شيء ! 
طأطأت رأسها بخيبة وسألته : أتعتقد أن الله لا يحبني لهذا السبب فرّق بيني وبينهم ؟!
احتضنها بحنان ومسح على رأسها وكأنه يمسح على رأس يتيم !
قبّل رأسها وقال : بل على العكس تماما ، إن الله يحبك أكثر من بقية الأطفال لأنه يريدك أن تكوني مميزة وأنتي فعلاً مميزة فأنتي لست كبقية أفراد العائلة أنتي الوحيدة التي تسكن معي وتعرف أسراري  أم أنك سئمتِ العيش معي ؟ رفعت رأسها لتنظر الى عيني جدها : أنا أحبك أكثر منهم  لأنهم لا يحبونني ولا يفكرون بي هم فقط يحبون أبنائهم ، فقال لها : لا يا ابنتي بل يحبّانك جداً  وان حدث لك شيء لا قدر الله سيفديانك بأوراحهما ، هما فقط يجهلان إظهار هذا الحب !
فقالت له : اتمنى لو أنّ الزمن يرجع الى الوراء واستطيع أن أجمع بينهما تحت سقف واحد، سكت للحظات ثم  نظر حوله فرأى كأس ماء على الطاولة طلب منها احضاره واحضار ملعقة ، لم تفهم سبب هذا الطلب ولكنها اسرعت وفعلت كما قال.. فقال لها  أترين الماء  كيف هو صافي؟ هزت رأسها بنعم .. فقام بسكب الماء على السجاد ومن ثم أخذ الملعقة وبدأ بجرف الماء وإعادته في الكأس ثم سألها كيف شكل الماء الآن  ؟  فأجابته  بتعجب ليس صافياً على الرغم من أن السجاد نظيف لكن اختلف لونه .. فقال لها : هكذا هي العلاقات عندما  تفشل يجب أن ندعها تذهب في سبيلها لأننا إن حاولنا جمعها وارجاعاها بالقوة لن يدوم ذاك الصفاء ستكون عكره ومع مرور الوقت ستصبح  قذره  !
سمعت طرقات خفيفة على بابها اعتقدت انها الخادمة إلا أن صوت عمتها لطيفة جاءها من خلف الباب .. منيرة .. منيرة .. هل استيقظتي ..
ابتسمت منيرة لسماع صوت عمتها فهي الشخص الثاني بعد جدها الذي تثق فيه وتحترمه كثيراً فتحت لها الباب واحتضنتها بكل حنان .. صباح الورد يا أجمل  عمة في هذا الكون قبّلت عمتها جبينها وقالت لها : ما شاء الله .. هذه أول مرة أرى وجهك بهذا الارتياح و الإشراق .. ادعو الله أن يجعلها بداية أفراحك يا ابنتي .. أخذت العمة بيد منيرة واجلستها على طرف السرير وجلست بجانبها .. نظرت منيرة إلى عمتها وسألتها بحيرة .. خير يا عمة هل حدث شيء ؟ فأجابتها: لا يا بنتي كل الخير ان شاء الله لكن ان كان لي خاطر عندك سأطلب منك طلباً صغيراً.. شدّت على يد عمتها وقالت : بل تأمرينني لا تطلبين مني يا عمة .. فقط قولي لي ماذا تريدين .. فتلاقت عيناها بعيني عمتها ومن نظرتها حدث ما كانت تخشاه .. فسألتها منيرة : و ما المطلوب مني يا عمة ؟ 
العمة : اتصلي بها يا ابنتي وطيّبي خاطرها بكلمتين .. 
منيرة : لكن يا عمتي أنا أرسلت لها بطاقة دعوة ماذا عليّ أن أفعل أكثر من ذلك  ؟
العمة : يا ابنتي هذه  أمك .. سكتت لثوان ثم أردفت .. في الحقيقة لقد آلمني قلبي  وهي تقول لي بحسرة منيرة أرسلت لي بطاقة دعوة لحفل زفافها وكأني غريبة .. أعلم ما الذي بينك وبينها لكن في ليلة كهذه يجب أن تكون أمك بجانبك حتى يطرح الله البركة لك في حياتك  ..
منيرة : حاضر ، لأجلك سأقوم بالإتصال بها ما يهمني أن  تكوني انتي راضية ..
رغم أن عمتها لم تصدق أن منيرة وافقت بهذه السرعة لكنها فرحت جداً : أسأل الله أن يعطيك من فضله حتى ترضين يا ابنتي ..
جلست في مكانها سارحة لا تعلم ماذا تفعل لو أنّ الأمر كان بيدها فلن تقوم بدعوتها كما فعلت في حفل خطبتها .. هي لم تخبرها لكن وصل الخبر الى أمها من بعض الأقارب و كالعادة فقد صبّت أمها جم غضبها على جدها وعمتها لأنهما لم يخبرانها بخطبة ابنتها !
رغم أنّ جدها وعمتها ألحّا عليها أن تخبر أمها إلا أنها توعدتهما  إن حضرت أمي إلى خطبتي فسألغي كل شي ، فاستسلما لها  فهما  يعلمان أن منيرة عنيدة وقد تلغي الخطبة بالفعل إن حضرت أمها   وقفت تسرّح شعرها أمام المرآة و تخاطب نفسها بعصيبة .. غريبة هي تلك الأم قبل سنتين تعرضت لحادث وكنت في حالة خطرة ورغم توسلات جدي وعمتي لها لتزورني و ترافقني في المشفى  إلاّ انها اعتذرت بحجة انها لا تستطيع ترك ابنتها مريم في لندن وحدها والقدوم الى الرياض  والآن تريد الحضور بأي شكل  !
ألقت بالمشط أرضا ونزلت مسرعة الى الطابق السفلي تبحث عن جدها علّها تجد لديه حل لهذه المشكلة سألت الخادمة فأجابتها أنه خرج منذ الفجر ولم يعد بعد ، قررت أن تنتظره إلى أن يعود لكن عمتها فاجأتها عندما خرجت من صالة الطعام وهي تسألها .. هل قمتي بالإتصال بأمك  ؟
منيرة : الآن عمتي لا تقلقي سأفعل .. 
العمة : هيّا افعلي الآن يا ابنتي ..
 ذهبت منيرة نحو الهاتف بخطوات ثقيلة تتمنى حدوث أي شي قبل أن ترفع سماعة الهاتف وتصل أصابعها  الى الارقام لكن للأسف خذلها حظها وجاءها صوت أمها على الخط الآخر ..
منيرة : السلام عليكم ، أعتذر هل أيقضتك من نومك أم راكان ؟
الأم : يا إلهي يا منيرة .. حتى في هذا اليوم لا تريدين أن تقولي لي أمي  ؟
ذرفت دمعة حارة من عيني منيرة .. وصمتت طويلا .. الآن فقط بعد كل هذه  السنين لاحظت اني اناديها بأم راكان .. لماذا تأخرتي في ملاحظتك ؟! 
الأم : منيرة انتي معي ..
منيرة : نعم أنا معك  .. ستأتين اليوم لحضور حفل زفافي صحيح  ؟
الأم : قولي لي انتي يا ابنتي ، هل تريدين مني الحضور أم لا ؟
لم تصدق منيرة ما سمعته هل قالت ابنتي ؟ كيف ؟ 
 لم تقل يا ابنة أباكِ ؟!! بدأت نبضات قلبها تتسارع .. شعرت أنها ستصاب بسكتة قلبية .. دماغية .. قد تصاب بهلوسة … فهذه المرة الأولى منذ خُلقت تقول لها ابنتي !
 أجابتها بصوت يرتجف : نعم بالتأكيد أريدك أن تحضري وترين تحضيرات الزفاف .. ارتبكت كثيرا لا تعلم ماذا تقول بدأت الكلمات تتزاحم  وتتصادم لتخرج مبهمة و غير مفهومة من فمها و كأنها تريد اخبارها بأشياء و أشياء كانت تخفيها في أعماق قلبها في هذه الثواني ..نعم أريدك أن تأتي و تختاري تسريحةً لشعري .. أريدك أن تأتي وتقولين لي رأيك في فستان الزفاف .. أريدك .. وقبل أن تكمل .. جاءها صوت أمها مقاطعاً ،،
الأم : لكنك يا ابنتي أنتي لم تقومي بدعوت إخوتك أو ارسال بطاقات دعوة لهم .. بعد ثوان من الصمت .. كيف لي أن أحضر وهم لا يحضرون زفاف أختهم  !
ذهلت منيرة وكأنها سقطت من أعلى قمة في الكون  : لكني اعتقدت للحظة انك تريدين الحضور لرؤيتي !
اعتقدت للحظة أنك ستنسين أبنائك  وستعوضينني حرمان السنين في هذا اليوم ، لا أصدق أن همك الوحيد هو دعوتهم لحفل زفافي ، ثم عن أي أخوة تتحدثين منذ متى كان لي أخوة  ؟  في حياتي كلها لم ألتقي بهم إلا مرات معدودة تكاد لا تذكر لطالما أبعدتني عنهم وعن مناسباتهم فلم الآن ؟!
و قبل أن تأتيها إجابة من أمها أغلقت الخط .. نعم أغلقت الخط في وجه أمها !
حين ادارت ظهرها كان جدها واقفا ينظر لها بحزن ذهبت اليه مسرعة واحتضنته وهي تبكي.. حتى في هذا اليوم لم أسلم  من صفعاتها يا جدي  .. حتي في هذا اليوم كانوا أبنائها أهم مني .. 
الجد :  لا حول ولا قوة إلا بالله .. لا بأس يا ابنتي .. لعلّها آخر الصفعات .. 
أخذها من يدها وذهب بها الى سفرة الطعام علّه يقنعها بأكل شيء قبل أن تبدأ التحضيرات لكن بلا جدوى ..لم تستطع  فقلبها يعتصر ألماً لما حدث ..
في احدى مكالماتها الطويلة مع خالد الذي كان يتحدث قليلاً ويستمع لها كثيراً وباهتمام كبير،  كان يعلم أن وراء ذلك العناد و الكبرياء في شخصيتها  جرح كبير كلما اقترب منه شعر بضعفها و انكسارها ، كان يشعر بألم لأجلها ويخشى من عدم تمكنه من نزع تلك الاحداث من حياتها ، في تلك الليلة قاطعته فجأة وهو يقرأ لها أبيات شعرية عن الحب .. خالد سأعترف لك بشيء ..
خالد : اعترفي كلي آذان مصغية  .. 
منيرة : أتعلم أني لا أحب أمي و لا أبي  !
خالد :  لم أفهم لا يوجد إنسان على هذه الأرض لا يحب والديه  ؟ 
منيرة : آآ.. أنا .. لا أعلم .. الأكيد أني لا أكرهما لكني لا أشعر اتجاههما بأية مشاعر .. وساد صمت طويل بينهما ..
عندها علم خالد أن التي  تتحدث معه تحتاج الى الشعور بالأمان والثقة قبل أن يغدق عليها من حبه .. جاءها صوته بكل هدوء و أنا ؟ هل أحببتني أم أنك حتى الآن لا تشعرين اتجاهي بأي شيء ؟
منيرة بكل حياء : لا أعلم ان كان هذا حباً لكنك أصبحت شيئاً مهماً في حياتي وبدأت أتعودك !
خالد ضاحكاً : الحمدلله تلك بوادر خير  .. 
أغلقت السماعة من خالد تلك الليلة وبدأت تفكر هل حقا هي لا تشعر بشيء اتجاههما ؟ 
 كانت منيرة تتنقل بين منزل أبيها وأمها قبل أن تستقر في بيت جدّها بعد عدّة صراعات بين والديها وهروبهما من تحمل مسؤليتها فأصبح الإثنان لها فردان كبقية أفراد العائلة تلتقيهم في المناسبات وفي الإجتماعات الأسرية السنوية ، حتى عندما تكون في زيارة لبيت أحد منهما لم تشعر قط أنها ابنة لهما كانت تشعر أنّها ضيفة يحسنون ضيافتها ويغدقون عليها من الأموال والهدايا فقط !  
لم يقم أحد منهما باعطائها حقها كإبنة لم تحظى بحضن أحد منهما لم تشعر بدفء أيّ منهما . في إحدى زياراتها لأمها عندما كانت في الثامنة من العمر  ، لم تكن سعيدة في تلك الزيارة فقد كانت أمها تقضي معظم الوقت مع اختها مريم  ذات الأربع سنوات تحملها بين ذراعيها ولا تدع منيرة تقترب منها غضبت منيرة جداً من إهمال أمها لها كانت تقارن بين معاملة أمها لها و لأختها فقبلها بأسابيع كانت قد أصيبت بنزلة معوية ورقدت في المشفى ولم تقم أمها  بزيارتها إلّا مرتين بحجة أنها لا تريد رؤية أباها أو احد افراد عائلته !
لازالت تذكر ذلك اليوم عندما أمرتها أمها أن تنتبه لأختها حتى تنهي مكالمتها مع زوجها  ، كانت تنظر لأختها بحقد.. كراهية .. غيرة ، تمنت لو أنها تموت في تلك اللحظة حتى تحصل هي على هذا الحنان والحب كانت اختها تجلس على حافة صندوق الألعاب الكبير فقامت منيرة بسحب أختها من رجلها و أوقعتها على الارض  عندها بكت الصغيرة و بدأت بالصراخ أتت أمها مسرعة وصرخت في وجهها كيف وقعت أختك ؟ فقالت لها ببرود أنا أوقعتها و أتمنى أن تموت الان.. نظرت امها لها بذهول .. فأعادت عليها نعم أنا أوقعتها لأنني أكرهها .. كانت الدموع تتزاحم في عيني أمها، فرحت جداً اعتقدت أنها أوجعتها في وسط قلبها اعتقدت أنها انتصرت أخيرا وجعلتها تشعر بما تعاني ، مثّلت عليها دور الغاضبة وهربت الى غرفة الضيوف وأغلقت الباب .
كانت تقفز فرحاً لما فعلت و جلست تنتظر قدوم أمها لتواسيها وتعتذر لها على اهمالها بدأت تتخيل حضن أمها و تفكر في رائحتها ، كانت تحسد صديقتها غادة عندما تقول لها أنها تحب رائحة أمها فتسألها منيرة كيف هي رائحة أمك وتجيبها غادة لا أعلم ولكنها رائحة لا تشبهها أي رائحة في الكون ، فتسألها أي عطر تستخدم أمك فتضحك غادة ليست رائحة العطور يا غبية بل رائحتها هي !
حاولت كثيرا أن تحضن أمها لتحصل على تلك الرائحة لكن بلا جدوى لم تحظى إلا بروائح العطور الفاخرة  !
نظرت الى ساعة الحائط مرت أكثر من عشرين دقيقة ولم تأتي حتى الان لتواسيها أو حتى لمعاقبتها أين هي ؟ لماذا لم تلحق بها ؟ ما الذي جعلها تهملها حتى في هذه المشكلة ؟!
 خرجت من غرفتها وبدأت تمشي على أطراف اصابعها وتبحث عنها، ذهبت الى غرفة اختها ولكن لم تجدها هناك ترى أين ذهبت ؟!
قررت الذهاب الى غرفة نوم أمها التي لم تدخلها قط فقد كانت من ظمن المحظورات التي يجب أن تبتعد عنها حتى لا يغضب زوج الأم ولكنها تجرأت وذهبت وكلما اقتربت منها بدأ صوتها يأتي الى مسامعها ..
كانت تتحدث مع عمتها وتقول لها  : يجب أن تجدي حل لابنة أخاك .. تكلمي معه يجب أن يعلم بما تقوم به ابنته ، أنا لا أحتمل هناك من يسمم أفكارها ضدي وضد أختها ، قلت لكِ كادت أن تقتل ابنتي هي اعترفت لي قالت لي انها أوقعتها ، إن علم زوجي بما فعلته أقسم أنه لن يدع قدمها تطأ هذا البيت .
كانت كلماتها تقع على مسامع منيرة كالصاعقة .. ابنة أخاك ؟ لماذا لم تقل ابنتي ؟ هل تعتبرني ابنته هو فقط ؟ هل كرهها لأبي أعماها عني ؟! أحقاً تعتبرني أمي أنني خطر عليها وعلى عائلتها؟ هل هذا ما توصلت له أمي  من ردة فعلي ؟! طرقت الباب بكل أدب وقالت لها إن سمحتي لي أريد أن أتحدث مع عمتي ؟
ارتبكت الأم وتسمرت في مكانها علمت أن منيرة قد سمعت ما قالته لعمتها .. أخذت سماعة الهاتف منها وقالت : هل من الممكن أن تأتي لتأخذيني من هذا البيت ؟  فأتاها صوت عمتها: سأرسل لك السائق الآن ، أرجعت لها السماعة وركضت إلى غرفتها و أغلقت الباب خلفها جلست على الأرض تحاول إلهاء نفسها بالألعاب ، نظرت الى لوحة معلقة على الحائط قطة حولها أطفالها تمنت لو أنها كانت إحدى تلك القطط تمنت أن تكون مجرد لوحة جامدة ليس لها أية مشاعر أو وجود في هذه الحياة ، سمعت طرق خفيف على بابها بدأت نبضات قلبها تتسارع تُرى هل أتت لتعتذر أدارت ظهرها للحائط الاخر لا تريد أن ترى وجهها لكن ما أن فُتح الباب حتى أتاها صوت الخادمة وهي تقول : أمك طلبت أن أجهز حقائبك وكانت هذه صفعة أخرى تتلاقها من أمها ، لم تبكي لم تذرف لها دمعة واحدة قررت أن لا تُفرح أمها بدموعها وجعلتها تصدق أنها خطر عليها وعلى ابنتها !
جمعت الخادمة حقائبها وانزلتها للسائق ، هربت منيرة مسرعة الى السيارة وهي تسمع صوت أمها خلفها .. منيرة .. سآتي لزيارتك في بيت جدك .. عندها أيقنت أنّ أمها خافت فعلاً على أختها منها و لا تريد لها العودة لهذا المنزل !
ركبت السيارة وخبأت وجهها بكفيها ، في كل مرة تخرج من منزل أمها  تنظر خلفها و تلوح بيدها حتى تنعطف السيارة يمينا و يختفي تماما عن نظرها لتبدأ بحساب الايام للرجوع لها لكن لا .. هذه المرة قررت أن لا تلتفت ولن تنظر خلفها لا تريد العودة لهذا المنزل لا تريد رؤيتها أو رؤية ابنتها و زوجها وقبل أن تنعطف السيارة يميناً اختلست نظرة سريعة خلفها ليس لرؤية المنزل بل لتقول  وداعاً أمي !
تذكرت في تلك اللحظة أغنية هدى حسين أميمتي .. " انتي الوفا والحب اللي المسه ملزوم احب ايديتج كل صبح ومسا "  كانت قد وعدت نفسها أن لاتغنيها فلماذا خانت الوعد وغنتها الان أغمضت عينيها وهي تتذكر كيف كانت تتغيب عن المدرسة في يوم الأم ، تكره هذا اليوم وتتظاهر دوما بالمرض حتى لا تحضره  ففي كل مرة كانت المدرسة تعطيها بطاقة الدعوة لتسلمها لأمها كانت تأخذ تلك البطاقات وتخبأها في صندوق صغير لا زالت تحتفظ به حتى اليوم !
فتحت عينيها على صوت السائق وهو يقول لها : لقد وصلنا .. 
نظرت الى الباب ثم صرخت به : هذا بيت جدي لماذا جئت بي الى هنا اذهب الى بيت أبي ..
نظر لها السائق بشفقة وقال : لقد طلب مني أباك أن أحضرك إلى هنا..
صمتت وهي تنظر إلى باب جدها لماذا الصفعات لا تأتي الا ممن أتوا بي الى هذه الدنيا !! ..

بعد فشل جدها في تغيير مزاجها و جعلها تأكل شيئاً ذهبت الى الحديقة الخلفية في  المنزل لتتفقد التحضيرات ولتتأكد أن كل الأمور تسير وفق ما خططت له ، فكرة الزواج المصغر في حدود العائلتين كانت فكرتها وأيدها الجميع عليها فهم يعلمون  أن منيرة لا تحب البذخ والتبذير ولكنها في الحقيقة اختصرتها حتى لا ترى الكثير من الوجوه الغير مرغوبة ، فاجأها أخاها محمد وهي تتنقل بين طاولات الحضور  وصاح بها : صباح العرائس الجميلة ..
منيرة : محمد أخفتني .. متى ستتوقف عن هذه العادة ؟!
محمد : كيف لي أن أتوقف و أنا أعلم أنك تفرحين بمفاجآتي ..
كان أخاها محمد من أبيها هو الوحيد القريب منها من بين أخوتها أو بالأصح هو الوحيد الذي سمحت له بالتقرب منها ، أحست أنه ليس كالبقية ، يحترمها كثيرا و يستشيرها في أموره الخاصة لثقته الكبيرة بها ، كانت دائما تقول لجدها محمد يملك قلباً طيباً يشبهك كثيرا يا جدي أعتقد لأنه يحمل اسمك ..
محمد : أحضرت لك هدية أخرى ..
منيرة : قلت لك لا أريد هدايا أنت أتيت هذا يكفيني ..
محمد : هذه هدية عائلية .. تعلمين أن العروس عندما تزف من بيت أهلها الى بيت زوجها فهي تزف بعباءة أبيها ( المشلح )  وهذا ما فعلته أختي مها عندما تزوجت تستطيعين القول أنه تقليد عائلي واليوم أتيت بعباءة أبي أريدك أن ترتديه عندما تذهبين الى بيتك الليلة 
منيرة : محمد تعلم أني لن أفعل لماذا أحضرته ؟
محمد : بل أعلم أنك ستفعلين و لا أريد أي نقاش في الموضوع ستأخذينه  .. أين جدي أريد أن أتحدث معه .
منيرة : محمد .. أرجوك لا تذهب .. عد إلى هنا .. لم أنتهي .. أتكلم معك .. لماذا وفي هذا اليوم بالذات أمي وابي لا يتركاني أنعم بهذه اللحظات ؟!
قبل سنوات من الان  كانت منيرة في محاضرتها  في الكلية عندما دخلت عليهم المشرفة لتستأذن لها من الدكتورة حتى تخرجها من المحاضرة فخرجت دون أن تعلم السبب كانت تمشي معها في الأسياب وتسألها مالذي حدث ؟ لماذا اخرجتيني ؟ هل هناك شيء ؟ نظرت لها المشرفة وبدأت تتلعثم في الكلام  لا تعلم ماذا تقول ثم امسكت بكفها فجأة وشدت عليها وقالت لها ان الله يجزي المؤمن على صبره واحتسابه للمصيبة عند سماعها اريد منك التمسك والهدوء .
 كانت منيرة تنظر لها بريبة وكأن المصيبة التي تتحدث عنها نزلت بها هي  وليس منيرة ، عندما وصلت الى الإدارة رأت  بعض الإداريات و المحاضرات يجلسن حول عمتها وما إن دخلت الغرفة حتى التففن حولها و بدأن  يتشهدن عندها فقط علمت أن هناك مصيبة وقعت فصرخت بعمتها هل أصاب جدي مكروه  ؟
فأجابتها بصوت مخنوق لا ليس أبي  يا منيرة .. إنه أباك … إن الله قد أخذ أمانته .. نظرت لها بذهول .. لم تستوعب بعد ما قالته  .. أبي .. أبي أنا مات ؟ 
تعالت الأصوات بالغرفة .. إنا لله وإنا إليه راجعون .. عظم الله أجركم .. أحسن الله عزائكم .. ألهمكم الله الصبر والسلوان  .. لم تتفوه بكلمة واحدة  لبست عبائتها بكل هدوء وأخذت بيد عمتها وخرجت وهي تسمع الأصوات من خلفها وهم يقولون المسكينة لابدّ أنها مصدومة .
 نعم كانت مصدومة ليس لموته المفاجيء إنما لمشاعرها ماذا عساها أن تقول وكيف لها أن  تتصرف الان ؟ فهي لا تملك حقيقة أية مشاعر اتجاهه حاولت وهي في الطريق الى بيته ان تستذكر له مواقف مؤثرة ليرق قلبها و تحزن على فقده لكن لا فائدة حتى ذاكرتها تخونها و في أصعب المواقف !
 آه .. مهلا تذكرت عندما كنت في الرابعة عشر كنت في احدى الزيارات له وكنت استمتع بوجبة الشاورما التي أحضرها لي السائق ،  وانا اشاهد التلفاز اذ دخل أبي فجأة وصرخ بي .. لم طلبتي من السائق أن يحضر لك شاورما ألم تجدي شيئاً آخر ؟ فرحت بهذا الصراخ اعتقدت انه يوبخني لأجل صحتي لكنّه اكمل ألا تعلمين أن زوجتي حامل ولا تحب هذه الرائحة إذهبي وأكمليها في غرفتك .. وخرج وهو يتمتم بعبارات السخط .. شكراً ذاكرتي فقد أعطيتني ما يجعلني أتماسك اكثر !
دخلت بيته  واصوات النياح تتعالى والكل ينظر لها بتعجب  كيف لها ان تكون  بهذا التماسك و الهدوء لا ألم  و لا دموع ! 
أخذت  تنظر الى وجوههم وتتفحصها بحيرة هل يبكونه حقيقة أم يتباكون عليه ؟ أقبلت عليها زوجة أبيها وهي تقول لقد اخبرت عمتك بأن تأتي بك الى هنا  قبل أن يرسلوه الى المغسلة فسألتها منيرة ببرود : متى كانت الوفاة  ؟ 
زوجة الأب : الساعة  الثانية من فجر هذا اليوم ..  
منيرة : الساعة الثانية ؟؟ و لا أعلم إلا الظهر ؟
زوجة الأب : سامحيني يا ابنتي فالصدمة قد أنستني  حتى نفسي ..
صعدت مع زوجة أبيها الى الطابق الثاني  وأخاها محمد خلفها الذي لم يكن قريباً منها في ذلك الوقت فقد كان يكمل دراسته في إحدى جامعات لندن سمعته يقول بصوت مخنوق : سبحان الله كان يشعر بقروب أجله لذلك استدعاني .. 
عندها توقفت منيرة والتفت عليه  تقصد انه استدعاك من لندن لتراه؟! .. 
فأجابها: نعم  ..
عندها كانت قد وصلت الى حجرته و كان الغضب قد تلبسها ،  كيف طاوعه قلبه أن يبعث ورائك وانا معه في نفس المدينة ولم يفكر باستدعائي ؟!
 يا لقسوة قلبه حتى في أيامه الأخيرة كنتم أنتم أقرب له مني ، نظرت اليهم وقالت : حسنا اكتفيت من هذه المسرحية أكملوا بدوني فأنا لا أريد رؤيته ..
صرخت فيها عمتها : منيرة .. عيب .. لا يصح هذا الكلام الان …أباك الان ميت ولا تجوز عليه إلا الرحمة …
منيرة :للاسف هذا الذي تترحمون عليه لا اعرف عنه شي إلاّ اني أحمل اسمه .. لماذا أحضرتوني الى هنا ؟
زوجة أبيها : لتسامحيه ..
منيرة : أسامحه ؟!
زوجة أبيها : نعم لتسامحيه .. سامحيه يا ابنتي ، فقد كانت هذه رغبته قبل أن يموت .
سكت الجميع وبدؤا ينظرون لها وكأن مسامحتها له هي ماسوف يجعله يرتاح في قبره .. لكنها لم تفعل فهذه فرصتها للانتقام منهم جميعا هل من المعقول ان تفرط بها ؟! 
منيرة :  هذا بيني وبينه ولا يحق لأيّ  منكم أن يسألني عنه أو يطلبه مني ..  ثم أسرعت بالنزول دون أن تلقي عليه نظرة متجاهلة نداءاتهم ، وتوسلاتهم ..
 عندما خرجت من المنزل رأت جدها أمامها يقف في زاوية الفناء وحيداً ضعيفاً منكسراً يتألم بصمت لم تره بهذا الألم من قبل رغم أن أباها لم يكن قريبا من جدها و زياراته له كانت قليلة أغلبها في المناسبات و تتكرر تلك الزيارات إن كان في ضائقة مالية فيغدق عليه جدها من الأموال " ليت لي قلب مثل قلبك الطاهر يا جدي "
عندما راها جدها اقترب منها و وضع يده على كتفها وجعل ينظر لها بنظرات  كلها ألم وحسرة .. فقالت له :  سامحته يا جدي سامحته .. 
 افاقت من ذكرياتها على صوت أخاها محمد الذي كان يتصفح الجرائد ويقرأ أخبار الإقتصاد لجدها بينما كان جدها يحمل مذياعه بين يديه يبحث عن تردد اذاعة القران ، أخذت عباءة أبيها و ذهبت الى جدها و أخاها.
منيرة : جدي سألبس عباءة أبي عندما أذهب الى بيتي الليلة .. وضع الراديو جانباً ونظر الى العباءة في يدها لم يصدق ما سمعته اذناه ولكنه ابتسم بحزن وقال : رحمة الله عليه ، ليته معنا الان ليرى ابنته الجميلة وهي عروساً ، فرح محمد وقام وقبل رأسها..  شكرا لك منيرة موقفك هذا يعني لي الكثير  .. 
ابتسمت منيرة وهي ترى سعادة جدها و أخيها .. أحست بشيء غريب في داخلها سكون وراحة لم تشعر بها من قبل .. 
دخلت عليهم عمتها التي بدى الحزن على وجهها وقالت : لقد اتصلت بي أمك الان و أخبرتني أنها لن تحضر ..
عم الهدوء أرجاء المكان والكل ينظر لها بحزن وألم .. لا يعلمون ماذا يقولون ، وقفت مكانها سارحة في  عباءة أباها لم ترمش لها عين .. طال الصمت و السرحان حتى اعتقدت عمتها أنها لم تسمع ما قالته وقبل أن تعيد عليها الخبر .. قالت منيرة بكل هدوء وثبات ، هذا أفضل لي ولها !

مضت ثلاث سنوات على زواجها ، لم يكن الزواج  وتحمّل هذه المسؤولية بالأمر السهل لها ، عانت الكثير في بداية الأمر لكن وجود خالد بجانبها واحتواءه لها كصديق قبل أن يكون لها زوجاً مهّد صعوبات كثيرة كانت تعتقد أنها لن تمر ، أصبحت أكثر نضجاً وحكمة ، أصبحت ترى الصورة خارج حدود الإطار و هذا ما جعلها تبدأ بالتقرب من إخوتها من أبيها وما كان ليحدث لولا مساعدة أخيها محمد لها ، وجدت أنهم مختلفون تماماً عن  الصورة التي كانت ترسمها في رأسها عنهم ، تعرّفت على والدها من خلال إخوتها و قصصهم عنه وعن مغامراته و أدق تفاصيل حياته .. وجدت أنه شخص محبوب كان بالإمكان أن تحبه لو أنها تقربت منه سألها محمد ذات يوم : هل انتي نادمة ؟
منيرة : لا أعتقد ، كانت هناك فجوة كبيرة بيني وبينه لا أنا و لاهو حاولنا ردمها ، لكني سعيدة الان بعد أن علمت بجانبه الطيب هذا يدفعني الى أن أتواصل معه أكثر الان ولا أقطعه !
محمد :تتواصلين معه الان ؟! كيف ؟ لم أفهم !
منيرة : الأموات يحتاجون للأحياء عندما يكونوا تحت التراب ، ألم يقل عليه الصلاة والسلام  ( اذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث ، و ذكر منها ولد صالح يدعو له ) !
محمد : نعم أعتقد أنه يحتاج لنا جميعاً أكثر من أي وقت مضى ..
  منذ زواجها لم تسمع أخبار كثيرة عن أمها كانت ترسل لها في الأعياد والمناسبات رسائل نصية فقط لكن لم يصدف أن ردت أمها على أي من تلك الرسائل ، لم تنزعج منيرة ولم تبحث ورائها فهي تعتقد أنها لا تملك الحق في معاتبة أمها و أمها بالمثل ليس لها حق في معاتبتها إلا أنها تلقت رسالة قبل أيام وهي في الطريق الى عملها من أختها مريم  تطلب منها أن تحضر إلى المشفى لترى أمها التي انتكست حالتها مجدداً فقد أصيبت بداء السكر  مؤخراً  ولم تعد صحتها كالسابق .
اتصلت منيرة بخالد و أخبرته بذهابها الى المشفى لزيارة أمها ..
خالد : أتريدين مني الحضور معك ؟
منيرة : لا ، سأتدبر أمري .. 
خالد : حسنا ، هل لي أن أقول لك شيئاً 
منيرة : بالتأكيد..
خالد : ضعي يدك بيدها و انتي تتحدثين معها دعيها تتحدث وانتي ممسكة بيدها لا تتركيها حتى تنتهي .
لم تفهم منيرة من طلبه شيء ولكنها وعدته بأن تفعل .
كانت أختها مريم تنتظرها في صالة الانتظار  ، كان السلام بارداً من كلا الطرفين و لم تكترث أي منهما بالسؤال عن أحوال الأخرى فمنيرة ليست من النوع الذي يجامل خاصة اذا كان الموضوع يخص والدتها ..
مريم : شكراً لأنك حضرتي ، في الحقيقة منذ وفاة والدي و أمي في انتكاس و صحتها تتدهور و أصبح نظرها ضعيف و في أوقات كثيرة لا تميز من الذي أمامها لذلك كان من واجبي أن أخبرك حتى أبريء ذمتي ..
منيرة : الغريب أن ابراء الذمة لا يأتي إلا متأخراً  وعادة يقوم به الأبناء عندما يكون آباءهم على فراش الموت أو ماتوا بالفعل !
مريم : أعوذ بالله من غضب الله ، أتتمنين الموت لأمي ؟ 
منيرة : أنا لا أتمنى الموت لأعدائي ، لكن لو أنك أبرئتي ذمتك من زمن بعيد ، لاختلف الوضع ، لا عليك أين هي الان ؟ 
مريم : في الحجرة المقابلة ، اذهبي لها وأنا سأذهب لأنهي بعض الإجراءات .. وأتمنى أن لا تنتكس حالتها بعد رؤيتك !
لم ترغب  منيرة في الرد عليها واعتبرت أن الصمت هو الحل الوحيد في هذا الوقت ، عندما اقتربت من حجرتها أمسكت بيد الباب و قبل أن تفتحه كانت تحاول أن تجمع أنفاسها فقد مرّت سنين على تلك المكالمة ، لا تعلم كيف ستستقبلها أمها الان !
فتحت الباب بهدوء وأدخلت رأسها لترى إن كانت أمها نائمة ، ألقت نظرة سريعة داخل الغرفة  وكانت الصدمة !
لم تشاهد تلك المرأة التي تذكر ، تلك السيدة القوية ، قوية البنية والشخصية ، أين ذهبت ؟ أين اختفت ؟ لا تصدق ما تراه عيناها من هذه العجوز النحيلة المتكرفسة حول نفسها ترقد في هذا السرير و كأنها جثة هامدة ؟ لوهلة اعتقدت أنها أخطأت الغرفة ، همت بالخروج .. إلا أن صوت أمها صدمها وهي تسأل من أنتي ؟
انعقد لسانها لم تستطع أن تجيبها .. فسألت مرة أخرى : من أنتي  ؟
عندها كشفت منيرة نقابها و لم تقل كلمة واحدة ذهبت و اقتربت من سريرها .. بالفعل لم تستطع أمها تمييز وجهها فسألت مرة ثالثة : من أنتي ؟ عندها أخذت منيرة يد أمها واحتضنتها بكلتا يديها و قبلتها ..
الأم : منيرة أخيراً أتيتي .. اعتقدت أني سأموت ولن أراك يا ابنتي ..
منيرة بصوت مخنوق وبتعجب : كيف عرفتي اني منيرة ؟
الأم : قد لا ترى الأم بعينها لكنها ترى بقلبها ، مهما غبتي عني ، مهما ابعدتني عنك الظروف ، إلا أني أستطيع تمييز رائحتك من بين أبنائي كلهم .. انتي ابنتي ، خرجتي من هذا البطن كيف لى أن لا أعلم !
لم تقوى منيرة على الكلام .. لا يوجد ما تقوله لها لكن كلمة واحدة خرجت منها : سامحيني أمي ..
الأم : لم أغضب منك يوماً ، كنت قد قصّرت في حقك و انتي بالمثل و لكن  اعتقد أن كلاًّ منا لقي جزائه !
منيرة :  هل لي حق في أن أطلب منك شيئآ الان ؟
الأم : و ماذا أستطيع أن أقدم لك الان و أنا في هذا الحال ؟
منيرة : أريدك آن تأتي معي الى بيتي حتى أستطيع أن أقوم برعايتك .. وقبل أن تجيبها أمها .. فتحت الباب طفلة صغيرة تصرخ جدة لقد أتيت .. ماما تقول أنك ستخرجين اليوم وستأتين معنا ..
الأم : تعالي يا حلا قبلي رأس  خالتك منيرة .. قبّلت الطفلة رأس ويد خالتها التي تراها لأول مرة في حياتها .. خالة خرجت لها من المجهول !
الأم : هذه حلا ابنة مريم كانت مريم ستسميها هيلة على اسمي لكنها خشيت أن تُغضب حماتها و زوجها  فأوكلت لي مهمة اختيار الإسم و اسميتها حلا .. ما رأيك به ؟ جميل أليس كذلك ؟
منيرة : اسم جميل يدل على جمال من اختاره .. 
دخلت مريم وهي تقول الحمدلله الطبيب أكّد لي أن وضعك مستقر الان ونستطيع المغادرة في المساء يا أمي .
نهضت منيرة لتستعد للخروج قبل أن تتلقى صفعة أخرى من أمها و قبل أن تستأذن مدت أمها يدها و أمسكت بيد منيرة التي اعتقدت انها تريد توديعها .. لكن أمها سحبتها الى جانبها وقالت لها : هل يوجد لي مكان في بيتك ؟
نظرت منيرة الى امها لا تصدق ما سمعت .. في بيتي أنا ؟
الأم : نعم في بيتك أنتي ؟ هل يوجد لي مكان أستطيع الجلوس فيه ؟
أخذت منيرة أمها في حضنها وضمتها بقوة إلى صدرها .. لم تتمالك مريم نفسها التي أجشهت بالبكاء لرؤية هذا المشهد ، أخذت ابنتها و تركت لهما المكان لينعمان بهذا اللقاء المتأخر الذي انتظرته كل منهما طوال هذه السنين ، اخيرا هي في حضن أمها أخيرا أتتها تلك الرائحة التي كانت تبحث عنها ، لا يهم إن وجدتها متأخرة لكن هي تعلم الان كيف هي رائحة أمها !
منيرة : يوجد مكان يا أمي ولكن ستتقاسميه مع شخص آخر .. 
الأم : لا يهم المهم أن أكون بجانبك ولكن من هو  ؟
منيرة : طفلة عمرها سنتان .. ابنتي هيلة  .. 


همسة :
اعلموا أنّ للطفل ذاكرة لا تخون و لا تنسى  !
لا تجعلوا من أبناءكم أيتاماً و أنتم أحياء !

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق